الخليج أمام فاتورة تمويل بـ1.7 تريليون دولار.. والبنوك لن تكفي -- Sep 29 , 2026 328
تدخل دول الخليج دورة استثمارية ضخمة تتطلب تمويلات بنحو 1.7 تريليون دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، تقودها السعودية وتليها الإمارات، في وقت تدفع محدودية السيولة والقيود على الميزانيات المصرفية نحو البحث عن مصادر جديدة لرأس المال، تشمل أسواق الدين والائتمان الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر.
وبحسب تقرير صادر عن "بلومبرغ إنتليجنس"، تصل قيمة خطط الإنشاءات في دول مجلس التعاون الخليجي حتى 2030 إلى نحو 1.7 تريليون دولار، مدفوعة باستمرار زخم الإنفاق على البنية التحتية والطاقة والطرق والإسكان ومراكز البيانات.
وتستحوذ السعودية على الحصة الأكبر من هذه المشاريع؛ إذ تبلغ قيمة محفظة مشاريعها غير النفطية نحو 1.2 تريليون دولار، وفق التقرير.
طفرة الاستثمار تختبر بنوك الخليج
تضع هذه الطفرة الاستثمارية القطاع المصرفي أمام معادلة تتجاوز مجرد زيادة الإقراض؛ إذ يتعين على البنوك توفير التمويل اللازم للمشاريع، مع المحافظة في الوقت نفسه على مستويات رأس المال والسيولة والربحية.
وقال إدموند كريستو، المحلل الأول لدى "بلومبرغ إنتليجنس" وأحد المحللين الرئيسيين المشاركين في إعداد التقرير، في مقابلة مع "الشرق بلومبرغ" من الرياض، إن "البنوك لن تستطيع وحدها تلبية احتياجات التمويل الضخمة لدورة الاستثمار الخليجية المقبلة، فحجم الاستثمار المتوقع يمثل تحدياً كبيراً للقطاع المالي، خصوصاً مع توقع أن يأتي جزء كبير من التمويل عبر البنوك".
ألفاريز آند مارسال: هذه مصادر تمويل طفرة مراكز البيانات السعودية
وأضاف أن السيولة والموارد المتاحة للبنوك أصبحت أكثر محدودية بعد النمو الكبير الذي شهدته خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعني أن المؤسسات المصرفية "لن تكون وحدها مسؤولة عن دعم هذه المشاريع".
وتعزز هذه الضغوط الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل، بما يرفع أهمية أسواق المال والتدفقات الخارجية والائتمان الخاص في توفير رأس المال اللازم لدورة الاستثمار الخليجية المقبلة.
البنوك السعودية تعيد ضبط النمو
بالنسبة إلى البنوك السعودية، قد تحمل المرحلة المقبلة تحولاً من التوسع السريع في الميزانيات إلى تحسين جودة النمو وتعزيز العائد على رأس المال، في ظل احتياجات تمويلية متزايدة تفرض موازنة أكثر دقة بين الإقراض والربحية وكفاية رأس المال.
ويتوقع كريستو أن تعطي البنوك أولوية أكبر لتحسين نسب رأس المال، بالتوازي مع زيادة الإصدارات لتلبية احتياجات السيولة والمتطلبات الرأسمالية. وقال إن القطاع بدأ بالفعل التحرك في هذا الاتجاه، مرجحاً أن تصبح الرسملة محوراً أكثر أهمية خلال الجولة المقبلة من نمو الائتمان.
ويكشف التقرير حجم التحدي أمام البنوك السعودية، إذ يشير إلى امتلاكها أكثر من 200 مليار ريال من التمويلات المتخصصة المرتبطة إلى حد كبير بتمويل المشاريع، مع تفاوت مستويات انكشاف البنوك على المشاريع التي لا تزال في مراحلها المبكرة.
الاقتراض من البنوك خيار التمويل الأول للقطاع الخاص السعودي
ومع ترشيد بعض المشاريع في المملكة، يرى كريستو أن استراتيجية البنوك ستتجه بدرجة أكبر نحو تعزيز الربحية و"تقليل النمو غير المربح"، بالتوازي مع تلبية متطلبات الجهات التنظيمية والتركيز على تحسين العوائد.
وقد يقود هذا التحول إلى تباطؤ نمو الائتمان مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، من دون أن يقلص الحاجة إلى التمويل. وبدلاً من ذلك، يُرجح أن تنتقل حصة أكبر من هذه الاحتياجات إلى السندات والصكوك وأسواق رأس المال والائتمان الخاص.
الدين يتحول إلى جزء من الحل
مع اتساع الاحتياجات التمويلية لدورة الاستثمار الخليجية، يتوقع كريستو استمرار الإصدارات السيادية، إلى جانب إصدارات البنوك والكيانات المرتبطة بالحكومة، في ظل الحاجة إلى تمويل المشاريع الكبرى وتنويع مصادر السيولة.
وقال إن زيادة الإصدارات تتيح للجهات الخليجية "الدخول إلى أسواق جديدة"، سواء في آسيا أو أوروبا، والوصول إلى شرائح جديدة من المستثمرين، بما يوسع قاعدة التمويل المتاحة للمنطقة.
قروض الشركات الخليجية أكثر حساسية للفائدة الأميركية من عوائد الخزانة
وبحسب كريستو، قد تتراجع إصدارات البنوك إذا تباطأ نمو الائتمان، لكن الإصدارات المرتبطة بتعزيز رأس المال ستظل مهمة. وفي المقابل، يُرجح استمرار الإصدارات السيادية، لأن "المشاريع يجب أن تمول".
ويعكس ذلك تحولاً تدريجياً في هيكل تمويل دورة الاستثمار الخليجية، من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الحكومية والتمويل المصرفي المحلي، إلى قاعدة أوسع تضم أسواق الدين ورؤوس الأموال الدولية والتمويل الخاص.
فجوة الاستثمار الأجنبي
تزداد أهمية استقطاب رأس المال الخارجي مع ضخامة المستهدفات الاستثمارية السعودية، إذ تستهدف المملكة تدفقات سنوية من الاستثمار الأجنبي المباشر بقيمة 388 مليار ريال بحلول 2030.
وبحسب تقرير "بلومبرغ إنتليجنس"، تحتاج السعودية إلى مضاعفة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لتحقيق هذا المستهدف، بعدما بلغت نحو 133 مليار ريال في 2025.
ويرى كريستو أن بلوغ المستهدف يمثل تحدياً، لا سيما في ظل بيئة جيوسياسية تدفع المستثمرين إلى مزيد من الحذر على المدى القصير.
لكن النظرة إلى المدى الطويل تبدو أكثر إيجابية. فقد أظهر استطلاع أجرته "بلومبرغ إنتليجنس"، وشمل أكثر من 500 مستثمر عالمي، أن قرابة ثلث المشاركين يعتزمون زيادة مخصصاتهم الاستثمارية لدول الخليج على المدى الطويل، رغم اتجاه المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على المنطقة في الأجل القصير.
ويشير التقرير كذلك إلى تحول اهتمام المستثمرين نحو قطاعات البنية التحتية الرقمية والطاقة والتصنيع.
التكنولوجيا والطاقة بدلاً من العقارات
بالنسبة إلى كريستو، لا تقتصر المسألة على حجم رؤوس الأموال التي تستطيع دول الخليج جذبها، بل تمتد إلى القطاعات التي ستتجه إليها هذه الاستثمارات.
ففي حين تركز الاستثمار الأجنبي المباشر تاريخياً بدرجة كبيرة في العقارات والخدمات المالية، يشير استطلاع "بلومبرغ إنتليجنس" إلى تنامي اهتمام المستثمرين مستقبلاً بقطاعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة واللوجستيات.
وقد تكون السعودية من أبرز المستفيدين من هذا التحول، لا سيما في مراكز البيانات. ويظهر التقرير أن المملكة تمتلك 58.9 مليار دولار من مشاريع مراكز البيانات في مراحل ما قبل التنفيذ أو التنفيذ، فيما تبلغ قيمة المشاريع في مرحلة التخطيط المسبق في الإمارات 32.6 مليار دولار، ما يضع هذا النشاط ضمن المحاور البارزة لدورة الإنفاق الجديدة.
ويرى كريستو أن ترشيد بعض المشاريع قد يدعم هذا التحول، من خلال توجيه رأس المال نحو القطاعات ذات الأولوية بدلاً من توزيعه على نطاق واسع.
رأس المال الأجنبي ينتظر السعر المناسب
تمثل أسواق الأسهم قناة إضافية لاستقطاب السيولة الأجنبية، لكن كريستو يرى أن زيادة مشاركة المستثمرين الأجانب لا تعتمد على تحرير قواعد الملكية وحده، بل ترتبط أيضاً بمستويات التقييم والعوائد المتوقعة.
كلفة الاقتراض تشتعل حول العالم.. ما التأثير من أوروبا لأميركا والخليج؟
وقال إن تقييمات الأسهم السعودية تبدو مرتفعة نسبياً مقارنة بالأسواق الناشئة عموماً، في وقت يراقب المستثمرون تداعيات إعادة معايرة المشاريع على الشركات، إلى جانب جودة أصول البنوك، قبل زيادة انكشافهم على السوق.
وبحسب تقرير "بلومبرغ إنتليجنس"، أسهم تخفيف السعودية متطلبات المستثمر الأجنبي المؤهل في زيادة مشاركة المستثمرين من خارج دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن المستثمر الفرد المحلي لا يزال يهيمن على جانب كبير من نشاط السوق.
المصدر:
الشرق بلومبرغ